القبلية الإسلامية

 

لا شك في أن التجديد والإصلاح يعد بعداً هاماً في التجربة التاريخية للعالم الإسلامي، ذات الإرث الطويل من الإصلاح الذي يأخذ شكل التركيز الخاص على تنقية وإحياء أساسيات العقيدة الإسلامية. و يتطلب جزء جوهري من هذا التجديد السير ضد التيار محاربة الآراء السائدة في المجتمع .

قال أحدهم ذات مرة أن مشكلة الغالبية منا هي أننا نفضل أن يدمرنا الثناء على أن ينقذنا النقد. عندما قرأت هذا الاقتباس لأول مرة دوى صداه في داخلي. فلطالما لاحظت طوال خبرتي مع المجتمع الإسلامي والتي تمتد لأكثر من عقد، أن من يبرزون في المجتمع هم أولئك الذين يمجدون الـ”أنا” فيه و غالباً ما يكرسّون جهله. ولكن أولئك الذين يدركون مواطن النقص ويرون عناصر مقلقة فيه يتم ازدراءهم و نبذهم. توجد حالياً نسخة (brand) معينة من الإسلام تهيمن على الشريحة الملتزمة من المسلمين. تسعى هذه الشريحة عند تعرضها للانتقاد، لعزل منتقديها من خلال تعزيز سياسة الهوية و سياسة “الآخر” لتشويش الناس وتشتيتهم عن التركيز على جوهر الانتقاد.

إن تسمياتٍ مثل “حداثي” و “خائن” و “منحرف” لطالما استخدمت كأدوات فعالة لقمع الأصوات البديلة حيث تنجح مثل هذه الوسائل في تقويض إرادة المنتقدين للوضع الراهن للمسلمين، حيث يخاف الأفراد من ضمهم إلى الـ “الآخر” ونفيهم من الجماعة.

ينظر البعض بشك واستياء إلى الدعوة للتأمل والتفكير الناقد. ففي ضوء تنامي المشاعر المعادية للإسلام،غالبا ما ينظر إلى الدعوة للتأمل على أنها محاولة لإرضاء الغرب أو تطويع الإسلام ليتناسب مع “القيم الغربية”. و من السهل جداً التعاطف مع هذا القلق نظراً للخطاب المعادي للإسلام الذي لا يمكن إنكاره والذي بات يعم جميع جوانب المجتمع. إلا أن ردود الفعل المتهورة وضيقة الأفق تكلف المسلمين كثيراً، فمن الممكن أن توصف ردة فعلنا الحالية بأنها شكل من أشكال القبلية الإسلامية . مثال تقليدي على هذه العقلية هو ما حصل حين تواردت أخبار عن قيام بوكو حرام بخطف أكثر من 200 فتاة وعبر بعض المسلمين البارزين عن إدانتهم لذلك الفعل . تم التعامل مع هؤلاء المسلمين على أنهم خاضعون للغرب من قبل بعض الإسلاميين المتشددين الذين سعوا للإشارة إلى أن الغرب أيضاً هو أيضاً مذنب بارتكابه جرائم مثل هجمات الطيران وقتل المدنيين.

ستلاحظ على وسائل التواصل الاجتماعي سياسة غير معلنة بين الإسلاميين المتشددين تتضمن عدم إدانة أو نقد المسلمين علناً، بغض النظر عن سوء تصرفاتهم أو مخالفة أفعالهم للمثل والقيم الإسلامية. أذكر هنا مقولة أحدهم: “لن أدين حادثة بوكو حرام حتى يدين أوباما هجمات الطيران على باكستان” وفي مناسبة أخرى يشير أحد المدونين قائلا: ” لا أدين عادةَ أفعال المسلمين نظرا لوضعهم الراهن، ولكن في هذه المناسبة أجد نفسي مضطراً لإدانة حادثة بوكو حرام”.

لا أفترض هنا أن المسلمين الذين يتبنون هذا الأسلوب في الحوار يعتقدون بالضرورة أن الأفعال التي تشابه حادثة بوكو حرام مبررّة بسبب أفعال الولايات المتحدة، ولكنهم – سواء عن قصد أو غير قصد- يستخدون هذه الأمثلة المضادة من جرائم حرب الغرب في محاولة للدفاع عن المجتمع الإسلامي. فلتسأل نفسك:

كيف يمكن أن يحدث فارقاً في حكمنا على الأحداث كون أوباما يعيش وفقاً للمعايير الأخلاقية أم لا ؟ كيف لذلك أن يؤثر على نزاهتنا الأخلاقية؟ ولماذا يشكل وضع المسلمين الراهن فارقاً في معاييرنا الأخلاقية؟ أليس الصواب صواباً والخطأ خطأً في كلا الحالين؟

لا ينبغي لبوصلتنا الأخلاقية أن ترتبط بكيفية عيش الآخرين و مدى التزامهم بالمعايير الأخلاقية.

ألا يأمرنا القرآن بالعدل حتى في حال الغضب؟ … من المثير للقلق أن نرى مبدأ “الدعم الثابت لمجتمعي سواء كان على حق أم باطل” آخذاً في التطور حيث أن التصرف تبعاً لهذا المبدأ يوجه ضربات قاسية لصلب الرسالة الإسلامية. لقد جاء الإسلام في وقت كانت فيه القبلية هي البنية الأساسية للمجتمع، وكانت الروابط الاجتماعية مبنية على قيمة القبيلة ومتمركزة حول الولاء والهوية. و بالتالي على كل فرد أن يُخضع حاجاته ورغباته الشخصية لمصلحة الجماعة وأن يقاتل للموت عند الضرورة لضمان بقائها. ففي حال قتل أو جرح شخص ما من قبل أفراد قبيلة أخرى بغض النظر عما إذا كانوا أبرياء أم لا، فإن أي فرد من تلك القبيلة من الممكن أن يُقتل أو يجرح انتقاماً حيث أن فعل الانتقام يعتبر شكلاً من أشكال استعادة شرف القبيلة.

لقد وصف الراحل آين راند القبلية كعقلية معادية للعقلانية (anti-conceptual mentality). وهو وصف دقيق تماما في نظري. فأين المنطق في الانتقام من شخص ما عشوائيا لمجرد انتمائه لقبيلة معينة ؟ ليس هناك أي منطق على الإطلاق.

ومن الممكن أن نرى إسقاطات شبيهة في واقعنا المعاصر. فما هو الرابط العقلاني بين هجمات الطائرات الأميركية وقتلها للمدنيين الأبرياء، و بين تصرفات الإسلاميين المتشددين في بوكو حرام؟ الجواب هو أنه لا وجود لأي رابط، لأن أساس تلك الروابط ليس عقلانياً بل قبلياً.

إن هذه المقارنة بين جرائم الحرب الغربية وجرائم الإسلاميين المتشددين تجري ببساطة في عروق قبلية، تماماً مثل المبادئ التعسفية وغير العقلانية لأخذ الثأر من شخص من قبيلة ما عشوائياً سعياً للانتقام. إنها محاولة غير مباشرة لاستعادة كيان المجتمع المسلم و إنشاء مفهوم الولاء للجماعة. و هنا يكمن الخطر، حيث أننا نفقد رؤيتنا للمبادئ الإسلامية في محاولة الدفاع عن المسلمين ونفقد بالتالي مصداقيتنا الأخلاقية. هذا التوافق الأعمى مع هوية الجماعة الإسلامية أو الرابطة الأخوية يتعارض في جوهره مع عرف رئيسي في الفلسفة الأخلاقية يتم بموجبه تعريف الأخلاق كمبدأ عالمي و غير متحيز في صميمه مما يستبعد الارتباطات المحلية المتحيزة (local attachments) والولاء المطلق . هذا النمط من التفكير الإسلامي القبلي هو نوع من الأنانية الجمعية، والتحيز الأخلاقي التعسفي لـ” أفراد الجماعة” الذي يتناقض مع مطالب العدالة، التي هي شاملة بطبيعتها .

والقرآن يأمرنا بأن نأخذ موقفاً حازماً في وقوفنا مع تحقيق العدالة بشكل متجرد: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ. إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا..” سورة النساء (135). هذاالأمر كان بمثابة رسالة ثورية في عهد الرسول محمد(صلى الله عليه وسلم ) حيث أصبحت بموجبه الدعوة غلى مبادئ الرحمة والكرم والعدالة ليس فقط ضمن نطاق القبيلة بل نحو الإنسانية جمعاء، ويعتبر التحدي الأكبر لمجتمعنا اليوم هو أن نعيش بمعايير هذه الآية.

هناك أيضاً أداة أخرى قوية توظف للتصدي للانتقادات هي النداء لـ “الوحدة الإسلامية” أو “وحدة المسلمين”.

غالبا ما يحاول الكثير من المسلمين، غير الواعين للانشقاقات الداخلية، قمع النقاشات الناقدة للمجتمع المسلم، والتي ينظر إليها على أنها مسببة للانقسام من خلال اللجوء إلىى مفهوم الأمة والذي يتضمن بدوره مبدأ وحدة المسلمين. ما أود قوله هو أن هذا النوع من الالتزام بالوحدة يعتبر في غير محلّه. حيث أنها وحدة لمجرد الوحدة فقط على حساب الحقيقة والعدالة. فالحرص على الوحدة لا ينبغي أن يكون عائقاً في وجه النزاهة والشفافية.

من الجدير بالذكر هنا أنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، نشأ نزاع بشأن اغتيال الخليفة الثالث سيدنا عثمان رضي الله عنه . و نتيجة لذلك تم تشكّل معسكرين: ضم أحدهما سيدنا علي ابن عم الرسول وضم الآخراثنان من الصحابة البارزين هما طلحة والزبير بدعم من السيدة عائشة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم. وأدى ذلك الصراع إلى انقسام في المجتمع تسبب في نشوب ما يمكن تسميته بالحرب الأهلية الأولى في الإسلام.

هل كان الصحابة، وابن عم الرسول، وزوجته، غير مدركين لمبدأ الوحدة العمياء التي نسمع بعض المسلمين يدعون إليها اليوم؟ لو كان هذا المبدأ سليماً لكان صحابة الرسول أولى بالالتزام به حينها لكن من الواضح أن فهمهم لوحدة المسلمين كان لا يقدم الولاء للوحدة على ما يؤمن المسلم بصحته أو عدالته . وينص القرآن على أن قوة أمتنا لا ترتكز ببساطة على الانتماء الإسلامي، بل تستمد بشكل أساسي من مُثل الإسلام وقيمه . ويصفها بأنها خير أمة : “كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ…” سورة آل عمران،آية 110.

من السهل أن يغفل المرء عن المعايير الأخلاقية في الشدائد… ولكننا إذا خسرنا نزاهتنا الأخلاقية، فإننا سنفقد المصداقية الأخلاقية داخلياً وخارجياً.

وقد عبر رالف دبليو امرسون عن ذلك بطريقة مؤثرة جداً حين قال : “أرجو أن لا أقع أبدا في الخطأ المبتذل الذي يدفعني أن أتخيل أن مخالفتي الرأي تعتبر اضطهاداً”.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s