الردة الفكرية

غالباً ما نسمع الإسلام يوصف بأنه أسرع الأديان انتشاراً ويشاد به على هذا النحو من قبل بعض الدعاة الإسلاميين، أو على شكل احتجاج هستيري من قبل مثيري التوترات السياسية.

من منظور عالمي، يبدو هذا الادعاء مستبعداً جداً بالنظر إلى ملايين المعتنقين الجدد للدين المسيحي من خلال العمل التبشيري واسع التمويل في أفريقيا والصين. أياً كان الأمر فإن السؤال الأولى بالطرح هو: أي نوع أو “نسخة” من الإسلام هي التي تحظى بالانتشار؟

بناءً على ملاحظاتي الشخصية،فإن نسخة معينة من الإسلام هي التي تهيمن على المشهد. وتقف هذه النسخة – بافتقارها إلى الإخلاص للرسالة الإسلامية – في حالة فصام مع تراثها الفكري الثري والمتنوع. يروج لهذه النسخة من الدين الإسلامي من قبل الدعاة ذوي الحضور المؤثر في الحرم الجامعية، وهي تسعى إلى غرس فكرة مفادها أن الإسلام دين عقلاني مدعم بحجج فكرية ومنطقية. يأخذ هذا المنظور عادةً شكل الفلسفة الدينية المعاصرة معتمداً على الفلاسفة المسيحيين الغرب وخاصةً حجج وجود الله. ويجادل أصحابها أن الإنسان – مسلحاً بمنطق و رؤية متحررة- سيتجه إلى الإيمان بالله. وعندما يتم عرض مثل هذه النقاشات بشكل مناسب- وإن كانت في معظم الأحيان تفهم ويعبر عنها بمحدودية – فأنها تزود المسلمين “بالتأسيس الفكري” اللازم لفهم عقيدتهم، متجنبة عبثية الإيمان الأعمى، والذي يخالف تعاليم القرآن. وهكذا، فإن ” التأسيس الفكري ” يمنح المسلمين إحساساً قوياً بالاعتزاز بأنفسهم والثقة في دينهم.

عندما تحدثت في الجامعة الأمريكية في بيروت منذ عدة سنوات، واجهت الكثير من المسلمين ممن كانوا يشعرون بالحيرة وعدم الأمان تجاه معتقداتهم، إلا أنه بمجرد الاطلاع على الحجج العقلانية من هذا النوع، تجددت لديهم الثقة في عقيدتهم.

وعلى صعيد شخصي، فقد كانت رحلتي الخاصة شبيهة للغاية بما سبق. فعندما واجهت هذه المقاربة للمرة الأولى منذ سنوات بعيدة كان لفكرة أنه “من الممكن أن يشكل الإسلام رحلةً فكرية” وقع مؤثر علي، وكانت بحد ذاتها دافعاً لي للالتزام وتطبيق تعاليم الإسلام بجدية أكثر.

إذا أين تكمن المشكلة؟ القضية هي أن الزخم الفكري المستثمر في تعزيز الأساس العقلاني للعقيدة الإسلامية يتم كبته فوراً إبان قبول المرء تعاليم تلك العقيدة، وهنا يكمن مفترق الطرق الفكرية بيني وبين هؤلاء الدعاة. فمن المتوقع منك بمجرد دخولك “داخل الدائرة” أن تهجر في النقاشات الداخلية المتعلقة بالفكر والتوحيد والقانون والسياسات الإسلامية المنطق العقلاني المتماسك الذي اتبعته في الأصل لبناء الأسس اللازمة لاعتناقك الإسلام. عند اعتناقك الإسلام عليك أن تترك عقلك و فكرك عند الباب في تصرف أصفه بأنه شكل من أشكال الردّة الفكرية.

إن التفكير المتناسق والدقيق منطقياً في العقيدة داخل دائرة الإسلام هو شبه معدوم حالياً، الأمر الذي له أثر كارثي على مجتمعنا. فحالة كهذه تؤدي إلى اعتناق وتطبيق وجهات نظر عبثية وتبني قوانين مرفوضة أخلاقياً في انقياد أعمى ينظر إليه كأمر محمود ومشرف.

عندما يقتل الفكر عن طريق المغالاة في طرح مفهوم الطاعة مدعوماً بالمقولات الطهرانية، مثل “الحكم لله وحده” أو ” العقول البشرية محدودة، وبالتالي فالله وحده قادر على إقرار القوانين” ، فإننا نقاد إلى دين من التبسيط المخل.

لقد أدرك الإسلام التقليدي أن هناك درجة كبيرة من “المجهود الذاتي” ينطوي عليها تحديد أحكام الشريعة الإسلامية والتي تم تحجيمها اليوم بشكل كبير بسبب الإفراط في التبسيط. دعونا لا ننسى أن أصواتاً مشابهة انتقدت واغتالت الإمام علي، ابن عم الرسول بزعمها عدم إتباعه لحكم الله!

إن الخلاف بين الإمام علي والخوارج يعكس الصراع الموجود في وقتنا هذا، بين من يفهمون الطبيعة غير المحددة للنص المقدس (القرآن) والتي تعطي أهمية كبيرة للدور الإنساني، وبين أولئك الذين ينكرون الدور الإنساني في تطبيق القوانين، مع التعصب والتطبيق الحرفي غير المتماشي مع روح الكتاب المقدس. وكما يجادل خالد أبو الفضل، فإن الفرضيات التقليدية التي بنيت عليها أحكام الشريعة الإسلامية، والتي ساهمت بشكل هام في ازدهار الحضارة الإسلامية قد تم تفكيكها وتجاهلها منذ ذلك الحين . إن ما لدينا اليوم هو إسلام طهراني، يتم فيه تحجيم المسلمين الذين ينخرطون في النقاشات الأخلاقية المعقدة والدقيقة إلى ما سمّاه ” قاذفوا الأحاديث “. حيث يتناول الدعاة الإسلاميين – الجاهلون بقواعد علم الأخلاق- القضايا الأخلاقية من خلال اجترار مجموعة كبيرة من الأحاديث المعزولة عن سياقها ذات الإسناد، مما يخلص بهم في النهاية إلى طرح الرؤى التي لا يمكن الدفاع عنها أخلاقياً أو عقلانياً.

حينها تصبح السمة البارزة للداعية هي عبثية آرائه، وليس من مثال أفضل على هذا من القضايا الراهنة المتعلقة بالمساواة بين الجنسين والتي تعبر عن عدم الوضوح والطبيعة غيرالأخلاقية لهذه النسخة من الإسلام. في هذا المجال كما في غيره، يغدو إسلام كهذا كياناً مشلولاً فكرياً ويعاني من فجوة فكرية تمنع الفكر الإسلامي المعاصر من أن يكون جزءاً من أي نقاش يتصف بالمصداقية الأخلاقية في مجالات عدة كالفلسفة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم الأحياء.

أكد عدد من الأكاديميين و الخبراء من المملكة العربية السعودية مؤخراً على الحاجة الملحة لبذل جهود جدية لاحتواء الإلحاد في المملكة من المحتمل أن يكون الإلحاد نتيجة صراع داخلي بين إيمان الشخص و الشرائع الأخلاقية سببه الافتقار إلى الإجابات المتسقة إخلاقياً مما يؤدي في النهاية إلى الإلحاد .

نقطة أخرى جديرة بالذكر: على الرغم من أن الإسلام ربما يكون الدين الأسرع انتشارا ، كم من عدد المسلمين الجدد الذين حافظوا على إيمانهم حقا؟ بالنظر إلى نسخة الإسلام السائدة حالياً والتي يتم تقديمها للمهتدين الجدد، فلن أكون متفاجئاً إذا كانت النسبة ضئيلة جداً. هنالك أسباب تدعو للاعتقاد بأن الردة تعد اليوم ظاهرة متنامية، ولكن لا شك في أنه من المهم الإقرار بأن الأمر المقلق حقاً هو الردة الفكرية الحاصلة ضمن إطار الإسلام والتي تشكل أساس الدوافع المؤدية إلى الارتداد عن العقيدة.

لابد أن يمتد التناغم الفكري ليشمل جميع مراحل الالتزام بالدين الإسلامي و جوانبه لا أن يتم التخلي عنه بمجرد دخول الفرد في الإسلام. إن كنا حقاً ندعي أننا كمسلمون باحثون عن الحقيقة فلابد أن يقود البحث الموضوعي عن الحقيقة جميع حواراتنا سواءً الداخلية منها أو الخارجية، وإلا فإننا سنظل عرضة للهشاشة والتشكيك.

يبين هذا بجدارة , القول المأثور لصامويل تايلور كوليريدج ، “من يبدأ رحلته بحب المسيحية أكثر من حبه الحقيقة، سيؤول به الطريق إلى حب طائفته أو كنيسته أكثر من المسيحية، وسينتهي به الأمر إلى حب نفسه أكثر من كل ذلك”.

للأسف، هناك دعاة إسلاميون يتصرفون كقادة فكريين و يروجون لنسخة معينة من الإسلام تتطلب ردة فكرية بمجرد اعتناق العقيدة: عقيدة بعيدة كل البعد عن تاريخها، ومفتقرة إلى الترابط الفكري والفهم العميق والمصداقية الأخلاقية.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s